العلاج الجينى

 

مالعلاج الجينى?

إن ما تم اكتشافه خلال هذا القرن يعادل أضعاف أضعاف ما تم اكتشافه منذ خلق الله البشر على سطح الأرض ؛ فقد تم اكتشاف الجراثيم والميكروبات ، ثم اكتشاف المضادات الحيوية التي تتصدى لها ، ثم توصل العلماء إلى اكتشاف التطعيمات التي تقي من الأمراض المعدية المختلفة التي كانت تحصد الملايين .
ثم تقدم العلم وتقدمت ( التكنولوجيا ) الطبية بحيث أصبح من الممكن اكتشاف أخطر الأمراض في مهدها وبدايتها ، من خلال الفحوص الطبية المتقدمة ، والتحاليل الطبية . وليس هذا فحسب ؛ بل أمكن إخضاع هذه ( التكنولوجيا ) لأساليب العلاج المختلفة ، مثل العلاج الذري ، والعلاج بأشعة ( الليزر ) ، وغير ذلك من الوسائل العلاجية المتقدمة ، التي لا يمكن أن نقف عندها إلا ونحمد الله عليها .
ولعل من يتوغل في كل المشاكل التي تواجه أمراض القرن الحادي والعشرين ، والتي لم يستطيع إنسان القرن العشرين حلها يصل إلى نتيجة واحدة لعلاج مثل هذه الأمراض ، ألا وهى : الهندسة الوراثية والعلاج الجيني .
والموضوع ببساطة أن الإنسان يولد بمجموعة من الصفات والأمراض محمولة على جينات ، وهذه الجينات عبارة عن مجموعة من التتابعات ( النيكلوتيدية ) التي تشفر وتعطى مجموعة من الأحماض الأمينية البروتينية ، هذه الأحماض لها ترتيب معين ، فإذا ما اختل هذا الترتيب وجاء حمض أميني مكان آخر ؛ فإن الشكل والوظيفة المسئول عنها هذا الجين تتغير ، وربما يصاب الإنسان بتشوه خلقي أو مرض معين نتيجة الخلل في تكوين هذا الجين . وهذه الجينات محمولة على عدد معين من ( الكروموسومات ) يبلغ عددها ستة وأربعين ( كروموسوم ) في كل خلية من خلايا الجسم ، ما عدا الحيوان المنوي والبويضة ؛ فيحمل كل منهما ثلاثة وعشرين ( كروموسوم ) حتى إذا ما التقيا فإنهما يكوِّنان خلية كاملة من الأب والأم بها ستة وأربعين ( كروموسوم ) .
ومن خلال التقدم الرهيب الذي حدث خلال العشر السنوات الماضية في مجال المناعة والهندسة الوراثية ، أمكن معرفة الكثير من أسرار بعض الأمراض التي كان من المستحيل علاجها ، لأنها ناتجة من عيوب وراثية غير قابلة للعلاج .
من خلال هذا الفهم ، تم إجراء محاولات عديدة لعلاج الجين المعيب بآخر سليم ، بحيث يستطيع الإنسان بعد ذلك أن يحيا حياة طبيعية ، وتعود إليه الصفة أو الوظيفة التي كانت غائبة عنه . ولا يمكن أن نتذكر الأمراض الوراثية ، وعلاجها الجيني ، ولا نتوقف لفترة عند واحد من أهم هذه الأمراض ، وهو مرضScid أو مرض نقص إنزيم ADA ، ليس لمجرد أن هذا المرض نادر فقط ، ولكن لأنه أيضًا كان أول الأمراض التي تُمُكِّنَ علاجها بواسطة تقنيات العلاج الجيني..
هناك إنزيم اسمه ( أدينوزين دى أمينيز ) ADA، ويشفر له جين يقع على الكروموسوم رقم عشرين من الجينوم البشرى ، ونقص هذا الإنزيم الذي ينتج عن خطأ في ( كودون ) واحد بجين ، يجعله متنحيًا أمام الجين الطبيعي ، ويسبب مرض Scid Subacute Combined Immuno Deficiency ويفقد الجسم مناعته ضد الميكروبات جميعًا ( الفيروسات والبكتريا البروتوزوا و الفطر ) ، حيث أن مرضًا بسيطًا مثل ( الإنفلوانزا ) يصبح كارثة ، ومرض مثل الزكام ينقلب بسهولة إلى التهاب رئوي ، فيصبح الشخص المريض أكثر عرضة لمرض مثل السرطان مثلا ، ولاسيما الـ ( لوكيميا ) Leukemia . والمبتلون بهذا المرض الوراثي يعيشون حياتهم القصيرة بعيدًا عن الناس ؛ فالمرض يقتل بكفاءة خلال الأشهر الأولى من الحياة . كان المريض الذي عاش أطول فترة ، طفلا عاش اثنا عشر عامًا في فقاعة معقمة ، لا يتصل بأحد حتى والديه ، ومات في هيوستن عام 1984 م ، بعد عملية نقل نخاع عظم في محاولة لعلاجه .
ومرض نقص ADA هو مرض يشبه الإيدز تمامًا ، لكن سببه في هذه الحالة ليس العدوى بالفيروس ؛ ولكن انهيار جهاز المناعة لعيب مورث في أحد الجينات التي تصنع إنزيم ADA . ولقد أجريت أول عملية للعلاج بالجينات لطفلة عمرها خمس سنوات تحمل هذا المرض اسمها ( أشانتي ديسلفا ) ، كان ذلك يوم الجمعة 14 سبتمبر سنة 1990 م ، وهذا اليوم لا ينسى في تاريخ الطب الحديث . أجرى العملية فريق من العلماء برئاسة ( وليم فرنش أندرسن ) .
ومهمة إنزيم ADA في الجسم هي التخلص من مركب ( ديوكسى أدينوزين ) Deoxyadenisine السام الذي ينتج عن الأيض Metabolism في الجسم ، والذي يرتبط إذا ما ازداد بالفسفور في الجسم مكونًا ( ديوكسى أدينوزين تراى فوسفات ) Deoxy Adenosine Tri Phosphate ، وهذا المركب يقتل خلايا المناعة لاسيما الخلايا من النوع المسمىT-cells . وإنزيم ADA يحول هذا المركب الأول إلى مادة غير مؤذية هي ( الأينوزين ) Inosine. وفى غياب ADA يغرق الجسم في فيض من هذا المركب السام ، مما يؤدى إلى ضعفه في مواجهة أي غزو ميكروبي .
وتقوم الخلايا الجذعية Stem cells في العظام بتقديم نوعين من T-cell ، هماT. Helper ، ووظيفتها تنبيه جهاز المناعة إلى أن شيء ما ليس على ما يرام في الجسم ، وأن الجسم قد وقع تحت تهديد كائن ممرِض . أما النوع الثاني من خلايا T-cells فهو خلايا T. Killer. cell التي تستجيب لإشارة التحذير التي تصدرها الخلايا المعاونة T. Helper ، فتبدأ في إبادة والتهام الكائنات الممرضة . وخلايا T الناضجة تحيا بضعة أشهر ، لكنها تستطيع أن تنقسم لتحمل الخلايا الجديدة على سطحها نفس ذاكرة الخلايا القديمة لسنين طويلة ؛ فتستطيع التعقب والتعامل مع التهديدات التي واجهت الخلايا الأم . يكفي 10% من الإنتاج الطبيعي من إنزيم ADAلعلاج ضحايا هذا المرض ، فهل يمكن أن يحقن المريض بهذا الإنزيم مثلما يحقن مريض السكر يوميًّا بالإنسولين ، لتعويض عجز الجسم عن إنتاجه ؟
تقول المحاولات مع غير الإنسولين من بروتينات في علاج أمراض وراثية أخرى ، إنها تفشل دائمًا ؛ إذ يحدث تحلل هذه البروتينات بسرعة أثناء دورانها في الدم بسبب تكون أجسام مضادة لها .
ولكننا لا نتوقع إنتاج أجسام مضادة في دم مرضى نقص ADA ؛ فجهازهم المناعي يكاد يكون معطلا . ولقد تمت بالفعل محاولات عديدة إلا أنها باءت بالفشل ، وهنا اتجه التفكير إلى الهندسة الوراثية ؛ حيث نقوم بإدخال الجين المشفر لـ ADA في الخلايا الجذعية لنخاع عظام المريض ، بعد أخذ عينات منه ، ثم إعادة زرعها فيه لتقوم الخلايا المُطَعَّمة بالجين السليم بإنتاج إنزيم ADA . وهنا أثير تساؤل : لماذا لا تستخدم كرات الدم البيضاء ؟ تسحب عينة من دم المريض ، ويتم إنتاج خلايا الدم البيضاء في بيئات خاصة ، ويدخل جين ADA الطبيعي في الكرات البيضاء ، فيتم إنتاج الخلايا المحورة وراثيًّا بالبلايين ، لتُضَخَّ ثانيًا في دم المريض ( طفلة ) ، ربما مرة كل ثلاثة أشهر ، فتقوم بإنتاج الإنزيم في الدم . وبذلك حُقِنَ المريض ( الطفلة ) على فترات بكرات دمٍ محوَّرة وراثيًّا ، مثل مرضى السكر ؛ حيث يُحقَنون بالإنسولين . وهنا تمكن فريق ( أندرسون ) من صُنْعِ ذلك ، واختبرت هذه الخلايا المحورة وراثيًّا في المعمل ، وبدأ حقن الطفلة في جرعات شهرية لمدة ستة أشهر .
بعد هذه المرحلة الأولى ، تبدأ المرحلة الثانية التي تستمر من تسعة إلى عشرة أشهر ، يؤخذ فيها من الطفلة كل شهر عينة دم ، وتتلقى جرعة من الجينات ، ويستمر هذا ، لتزيد الفترة بين الجرعات إلى بضعة أشهر ، وقد تظهر خلايا الذاكرة وتتزايد حتى تشفي الطفلة . وفي يوم 13 سبتمبر 1990 م ، كانت تنساب إلى عروق الطفلة ( أشانتي ) مليون خلية من خلايا دمها بعد أن حُوِّرَت وراثيًّا لتحمل الجين الطبيعي المشفر الإنزيم ADA . في يوم 31 يناير 1991 م ، قام نفس فريق العلماء بإجراء نفس العملية لطفلة أخرى اسمها ( سينثيا كاطشول ) . وبعد أكثر من تسعة أشهر من إجراء العملية ، كانت خلايا T في دم ( أشانتي ) تصنع من 20 إلى 25 % من الإنتاج الطبيعي من إنزيم ADA ، وهذا أكثر بالفعل من المطلوب لتحقيق مستوى جيد من المناعة ، أما خلايا ( سينثيا ) فكانت تصنع أقل من ذلك كثيرًا ، وإن كان ما تنتجه يُعطى من المناعة ما يكفي . وأصبحت الطفلتان تمارسان الحياة الطبيعة لمن هم في مثل عمرهما .
وهكذا نجحت أولى تجارب العلاج .
ولكن هناك الكثير من أمراض الدم الوراثية ، ومنها نحو ثلاثمائة مرض يمكن نظريًّا علاجهم بالجينات .
وبدأ التجريب لإدخال الجينات المطلوبة في الخلايا الجذعية ، ثم بدأ التحرك نحو علاج أمراض أخرى بالجينات غير الأمراض التي تطلب استخدام خلايا الدم ، حيث استخدمت الجينات على خلايا الجلد ، والكبد ، والرئة ، والمعدة ، والكلى ، والعين ، بل المخ .
ومن الطبيعي أن يتجه العلاج بالجينات نحو الأمراض الوراثية التي تنتج عن عيوب في الجينات تؤثر في نوع معين من الخلايا ، يمكن الوصول إليه لإزالته أو تبديله ، والأفضل بالطبع أن يكون الجين المحدد للمرض قد حُدِّدَت هويته .
ولعل أشهر الأمراض الوراثية المرشحة للعلاج بالجينات هى :

* انيميا الخلايا المنجلية والثالامثيا نأنواعها ( على الكروموسوم رقم 11) .
* التليُّف الكيسي ( على كروموسوم 7 ) .
* مرض ( هنتجتون ) ( على كروموسوم 4 ) .
* حسل دوتشين العضلى ( على كروموسوم x ).
* مرض ( البول الفينيل كيتونى ) ( على كروموسوم 12 ) .
* مرض متلازمة ( ليش نيهان ) ( على كروموسوم x).
* مرض ( جوشر ) ( على كروموسوم 1 ) .
* مرض ( تاي ساكس ) ( على كروموسوم 15 ) .
* مرض نقص ADA ( على كروموسوم 20 ) .
* مرض زيادة الكولسترول العائلي ( على كروموسوم 19 ) .

وبذلك يكون العلاج بالجينات قد خطى خطوته الأولى في عالم الطب الحديث
 

بقلم:-   دعاء حسين الشبينى ( اي سؤال دوت كوم )

 
مواضيع لها ارتباط بالموضوع

الرعب البيولوجي