رسالة بالسر

 

رفع رأسه بصعوبة عن يديه اللتين توسدهما أثناء غفوته . أخذ يتثاءب ثم ترك يداه تسبحان في الفراغ كشفرتي مروحة سقفية ، بعدها أنتفض قائماً نظر إلى ساعة يده وإذا الساعة الثانية عشرة والنصف ظهراً ... لملم بعض الأوراق المتناثرة على طاولته وهمَ بالخروج وعيناه تقاومان نُعاسا شديداً. تعثر بكيس يحتوي بعض الأضابير ،ركله مبعداً إياه عن طريقه بعد أن أفرغ عُصارة غضبه بشتيمة تناولت أخته وأخت من وضعه في هذا المكان .أستمر في السير حتى دون أن يغلق باب غرفته من خلفه.ناداه
عامل البوفيه:
- أستاذ رضوان ..يا أستاذ رضوان..تشرب شاي ؟
- لا .لا شكراً..خلص دوامي.
بخطوات سريعة تابع سيره وخلال لحظات كان يقف أمام باب البناء الرئيسي .وقف لبرهة صغيرة،ثم أخذ يزر معطفه وبينما يداه تتلمسان طريقاً لأحد الأزرار،وقع نظره على صندوق الشكاوي المنتصب على جدار مدخل بناء البلدية التي يعمل فيها،و بشيء من اللاشعور مد يده لجيبه وأخرج حمالة مفاتيحه الخاصة .فتح الصندوق وفوجئ عندما وجد فيها رسالة فمنذ زمن لم يلقِ أحد رسالة في هذا الصندوق لا لعدم وجود مشاكل يشتكي منها العامة في مضارب هذه البلدة ، بل لأن الناس وجدوا إن الفائدة في متابعة شكاويهم وجهاً لوجه مع المسؤولين.فهذا الصندوق ما هو إلا تحصيل حاصل أو المتمم الروحي لديكور مبنى البلدية ،كما أن أسلوب الشكاية بالرسائل أسلوب رجعي لم يعد أحد يسير عليه باستثناء الدول الغربية ...يا أخي هل الأوربيين دمهن بارد .ما بيريدوا يوجعوا قلبهم بعلاك مصدي رسالة للمسؤول وكفى الله شر القتال.
فتح الورقة التي كانت نائمة قريرة العين في ظرف الرسالة وأخذ يقرأها ليطفئ نار الفضول الذي شب فيه ..قرأ سطرين منها ،لكنه عاد ليقرأها من البداية بصوت شبه مسموع
(إلى متى سأقول أيها الرجل المغرور .قد جفَ حلقي و ورمت من السير قدماي فقد أصبح موضوع ملاحقتكَ شغلي وشاغلي .فمع كل صباح أستحمل غلاظة فراش مكتبك و برودة أعصابك كي أتصبح بخلقتك و أكرر _ عمت صباحاً يا سيدي لو تكرم عطوفتكم ووجه كتاباً لمن هو المسؤول عن تعبيد الشوارع أن يحقق حلم أهالي الحي بأن يستيقظوا ذات صباح ويروا شوارعهم معبدة. فإن كان نزار قباني رحمة الله عليه خمسون ألف امرأة أحبب فإنني يا سيدي خمسون ألف مرة زرتك في مكتبك حتى صار بيناتنا كعك وشاي .يا أخي والله عيب الشغلة صار بدها شوية ذوق .فالشارع المشقوق أمام داري و العياذ بالله إن هبت الريح أنقلب المكان كأن مائة ألف فارس مروا من هنا على جيادهم ..حتى أن مواصفاته الترابية شدت أنظار المخرجين إليه ،فقد أراد أحدهم أن يصور فيه مشهداً لكن ضيق هذا الشارع حال دون بلوغ الأمر .وإن تلبدت السماء وأكرمنا الله بالمطر نشتم ألف مرة هذا الطين الذي منه صُنعنا .و نشتم ألف مرة هذا الشارع المسكين وألف مرة ---
والجميل بالأمر إن هذا الشارع بعلة أخرى ،فعواميد الكهرباء المتناثرة على أطرافه مثلاً لا تحمل فوانيس إضاءة وهناك مشكلة سطحية ألا وهي إن هذا الشارع لا يحمل اسما يُعرف به ،فإن لم يسعفكم الحظ بأن تجدوا لهُ اسماً فسموه على اسمي ..أنا الذي تمرمرت قدماه بطينه.. أنا الذي تكسر عشرات المرات .فكل مرة أسير فيها ليلاً أتعثر بحفرة من حفره وفي أخر مرة وقعت فيها بشرفي صرت ابكي حتى أنني اقتنيت بيلاً لأتحسس الطريق.
أغيثونا .أليس هناك من شهم مغيث ..مطالبي جدُ عادية ففي كل مرة تنتصب فيها وكرشك يتقدمك بخمس أمتار لتلقي خطاباً ورزاز البصاق يتطاير من بين شفتيك ،تحث فيه العمال والموظفين وأشراف البلدة على السير قُدماً لمواكبة عجلة التقدم ..والتقدم يا صاحب البذلة الزرقاء يبدأ من إصلاح الشارع.
قلت لي قدم طلباً..قدمت وعليه كل الطوابع المطلوبة ألصقت وقد تحلى بتوقيع كل من أوردتَ أسمائهم باللائحة من وزارة التموين والزراعة والصناعة والتجارة الخارجية وهنا توقيع صاحبك رئيس الديوان وهاهو توقيعي وتوقيع كل الجيران... رغم إنني وإلى الآن لم أفهم ما دخل كل هؤلاء بمطلبي؟
اترك كرسيك فإنه لن يبرح المكان وتعال وشرفنا بزيارة لحينا وأنظر بأم عينيك ما نحن فيه من مصيبة. التوقيع رجل مقهور)
أخذ رضوان يضحك بصوت مسموع حتى دمعت من الضحك عيناه.كما أن المارة من جنبه استغربوا لضحكته تلك والبعض منهم دب فيهم الحماس وأخذوا يضحكون على ضحكته.
 

بقلم:-  : جوان أحمد حسين ( اي سؤال دوت كوم )

 

 

 

 

 

أقسام فرعية

أرسل مقالة