ثرثرات وحيدة


شعرت بقلبي ينكسر و أنا أراه يبتعد ثم يتلاشى في الضباب و هكذا صرت وحيدة كان ألمي لا يطاق شعرت بأني أكاد أجن من الحسرة والحزن..ركضت مندفعة بسرعة جنونية إليه، التفت إليّ..ماذا تريدين؟ هه ! يسأل عما أريد، لم أجب،بل أجابت عني الدموعٌ ،مد يده و مسح عن خدي بعضاً من الدموع المتساقطة و قال :لا تبكِ سوف نلتقي من جديد أعدك بهذا ..قال هذا ثم تلاشى كالشبح مرةً أخرى و بقيت واقفة كأنني مسمرة في الضباب .
كانت أيامي موحشةً بدونه أحسست و كأن حياتي لا معنى لها و لا صيغة و لا ترتيب.. أمضيت أوقاتاً صعبة لا سيّما في الليل رأيت أحلاماً مزعجة ،كان قلقي عليه يزداد في كل لحظة ،كنت أحس أني وحيدة بل أكثر الناس شعوراً بالوحدة..صغيرة..وحيدة..و خائفة،لم يتغير شعوري عندما جاء الصباح كان جميلاً و مشرقاً..لكن جماله لم يُلغي تلك الأفكار الموحشة من مخيلتي ..كنت أفكر و أتسائل.. هل من الممكن أن ألحق به؟فقد يتأخر قطار الزمان عن موعده و قد أجد الفرصة لأراه مرة أخرى أخيرة ،لم يكن هذا الشيء الوحيد الذي فكرت فيه..فكرت لو أنني وصلت محطة الحياة ووجدت أنها الرحلة الأخيرة لقطار الزمان ،عند هذا الخاطر تبخرت آمالي و شجاعتي كلها مرة واحدة و أحسست بخوفٍ مريعٍ يجتاح جسدي..فأنا جبانة،نعم جبانة فقد كان في وسعي أن أخيف نفسي بسرعة كبيرة،بل في الواقع أنا لا أعرف أحداً يستطيع إخافة نفسه بسرعتي فقد بدأت الهواجس و الخواطر المخيفة تدور في رأسي.
قررت الذهاب مهما كلّف الأمر، حملت أسمالي البالية و خرجت..وصلت محطة الحياة..انتظرت طويلاً هناك..فلم يكن هناك لائحة قادمين أ ومسافرين لذا لم يكن عليّ إلا الانتظار.
عادت إليّ الهواجس والخواطر مرة أخرى فقد يأتي القطار ويترجل منه جميع المسافرين.. أتفحص الوجوه..لا أرى وجهه أبداً،أو قد أنتظر طويلاً..ثم أجد أنها الرحلة الأخيرة و أنه القطار الأخير...كنت أنتظر وأنتظر و ما أصعب الانتظار حين يكون انتظاراً لأمرٍ قبيح...
بدا الوقت متجمداً و الموقف الثقيل كان قاتلاً ،بدا و كأن كل شيء كان في حالة انتظار..القمر..الشجر..النسيم..كل شيء،قطع صمتي و حبل أفكاري وذلك الموقف الثقيل نقرةٌ خفيفة على كتفي ،التفتُ لأرى عجوزاً أشعث الشعر كث الحاجبين مهترئ الملابس..سألني:ماذا تفعلين؟أجبت:انتظر.قال:تنتظرين ماذا؟قطار الزمان؟أجبت :نعم ،ضحك و قال:عودي يا بنيتي ولا تضيّعي شبابك في الانتظار فأنا منذ دهورٍ انتظر..لم يأتِ ولن يأتِ فقد فات الأوان...
هه!! أي راحة يمكن أن يبعثها هذا الكلام؟!!
قلت له سأنتظر أنا واثقة من انه سيعود..قلت هذا وأنا لست مقتنعة به..قال حانقاً:لن يعود..لا تنتظري،الحياة تسير و لن تستطيعي أبداً إيقافها و لا إعادتها سيري و أكملي الطريق لا تكوني كما كانوا،لا تضيعي كما ضاعوا..يا إلهي لن أنسى ما حييت تلك النظرة في عينيه..انخرطت في البكاء..ماذا عساي أن أفعل يا جدي؟ماذا أفعل؟ربت على كتفي و مسح دموعي و قال بحزن:أنا أشفق عليكِ يا صغيرتي ولكن أرجوك عودي..عودي..قطع كلامه صفيرٌ مزعج انتفضنا واقفين..ظننت أنني احلم لكن ذلك الصفير عاد فانطلق من جديد ،توقف أمامنا قطارٌ طويلٌ جداً مليءٌ بأناسٍ من كل عرقٍ ولون،بدأت أضحك بصوتٍ عالٍ كما لم أضحك منذ زمن لكن كتمت عندما عاد إلى خيالي ذلك الخاطر المزعج،ماذا لو لم يكن على متن قطار الزمان؟! راقبت الناس وجهاً بوجه،تسارعت دقات قلبي إلى حد التسارع..حتى ظننت أنه سيخرج من مكانه، كان آخر الوافدين حياني بكل برود..ركضت كالمصعوقة لم أصدق انه هو ..ظننت أنه حلم..تلمست وجهه..يداه..بكيت..و ضحكت..غفلت عن كل ما كان حولي لم أصحُ إلا و أنا أسمع الصفير الأخير لرحلة قطار الزمان الأخيرة..
نظرت حولي..جلت بنظري في المكان كنت واثقة أنه ذهب لكني سرعان ما رأيته..جدي..كان متكئاً على جدار، ركضت إليه سألته:لمَ لم تذهب؟لم فوَّت فرصتك الأخيرة؟ابتسم وقال :لقد ربحتِ الرهان..أعدت السؤال فأجاب:فليذهب القطار والزمان إلى الجحيم..صدمتني إجابته فهو من أضاع شبابه بالانتظار و لكنه أكمل :ها هي الحياة تسير و أنا سأعيشها بحلوها ومرها لمَ سأهرب منها سأواجهها بكل لحظة من لحظاتها...علّقت قائلة:أبعدما أضعت حياتك و بعثرتها ستواجهها؟ قال لي لم أبعثر منها أي لحظة ،استفدت منها لحظة بلحظة و تعلمت...
ابتسمت..قبلت جبين جدي و عدت إليه..
و سرنا على الدرب عائدين للبيت...
 

بقلم:-  ( اي سؤال دوت كوم )

 

 

 

 

 

أقسام فرعية

أرسل مقالة