تقاطع المقاطعة


شيء جميل أن تتحرك شعوبنا العربية و الإسلامية خطوة إلى الأمام في لعب دورها المفقود منذ تخلصها من المستعمر القديم حتى هذه اللحظات من هذا العصر الذي بات فيه شكل الاستعمار اكثر فتكا بالشعوب رغم خروج المستعمرين و قواتهم العسكرية إلا أن الاتفاقيات و الدخول في عضوية المنظمات الاقتصادية و تحت رحمه ديون الشركات العابرة للقارات لم نتخلص من الاستعمار ، فضلا عن تغلغل العولمة بين صفوف العالم رغم زعم الكثيرين رفضهم التام لها إلا أنها في الواقع موجودة بفضل الفضائيات و الشبكة الإلكترونية (الإنترنت) كل هذا و غيرها أدوات الاستعمار الجديد . من دون الدخول في فضل تلك الأدوات التي اعتقد الكثيرين منا بأنها كماليات أصبحت من الأساسيات بل لا يقوى واحد منا على تركها يوم بحاله فكيف يمتنع عن استخدامها ؟ ! هذه كله يا من قرأتم السطور السابقة ليس إلا مدخلا لحديث اليوم المتعلق عن المقاطعة التي تمتد عروقها في نهر التاريخ الحديث و المعاصر و تحديدا في مساحة جغرافية متميزة من العالم الجديد دولة اسمها أمريكا فالشعب الأمريكي قبل أن يستقل عن التاج البريطاني كان يتناقل فيما بينه المنتجات المحلية و في مرات كثيرة يصدرها للدولة الأم و لأوروبا حتى جاءت حادثة (حفلة شاي بوسطن) التي كانت المحرك الأول لنيل ذلك الخليط من الشعوب استقلاله من دون أن يعلموا أن دولتهم ستصبح بعد ثلاثة قرون من الزمن أعتى بلدان العالم و شرطيها الوحيد ، و من دون الدخول في تفاصيل تلك الحادثة أنتقل معك لثاني أشهر مقاطعة في رأيي الشخصي و هي امتناع رؤساء دولنا العربية في أواخر الستينيات عن تصدير الذهب الأسود للعالم فقلبت موازين الاقتصاد العالم رأسا على عقب فأحس العالم بوزن القرار العربي فلم تكن تلك المقاطعة وليدة حركة شعبية بل جاءت قرارا صدر في قمة الخرطوم التي من بعدها اضطر ساسة العالم اللجوء لفكرة المنظمات الاقتصادية (أوبك) و غيرها ليقطعوا علينا في المستقبل القريب أو البعيد على حد سواء أي محاولة لاستعمال النفط سلاح للضغط على القرار الدولي .

اليوم وسط هذه المحن و المآسي يبدو أن شعوبنا تريد أن تعيد بريق وزننا السياسي على الساحة الدولية ففضلت أن تستخدم سلاحا يبدو من الوهلة الأولى فتاكا و مؤثرا على شرطي العالم الذي يبدو أنه مال أكثر لصف العدو عن السنوات السابقة ، تحاول الصفوف العربية الترويج لفكرة المقاطعة و لا أملك سوى عدة تساؤلات عرفت إجاباتها من البعض و هي كالتالي:
ما الفكرة من مقاطعة المنتجات الأمريكية ؟ و كان الجواب حتى نقلل من أرباح تلك الشركات و بالتالي تضغط هي بدورها على حكومتها و تقوم تلك الحكومة بإعادة النظر في موقفها من قضية العرب و المسلمين ، على الرغم يا من تقرؤون سطوري لا تعد قضيتكم العالمية سوى مشكلة داخلية في ما يسمى إسرائيل تطالب إحدى أقاليمها الانفصال و الحصول على استقلالها و إن كان الساسة هناك يعلمون بحقيقة قضيتنا العادلة .
هل تم وضع المنتجات التي سنقاطعها ؟ و هنا اختلف الكثيرون بين تسمية تلك المنتجات فمجموعة تقول كل شيء كتب عليه(made in USA) و مجموعة أخرى قالت نقاطع المنتجات الغذائية و معها بعض الأشياء الكمالية مثل الملبس في حين فضل باقون مقاطعة المعدات و الآلات و المواد الداخلة في الصناعة كونها تعد أكثر الموارد دخلا في اقتصاد الولايات المتحدة ، عموما كلا من الثلاث مجموعات لم ترى أبعد من أنفها فالمقاطعة لا تعني أن امتنع عن شراء منتج أمريكي سواء وجبة غذائية من (ماكدونلز) الذي يتكون موظفيه العاملون في فروع المطعم في العالم العربي ما يقارب 60% فهل تريدون الضرر لأخوتكم العرب و تكونون المسبب الرئيسي لفصل من العمل و قطع أرزاقهم ؟ و ايضا أتساءل إن كان الماكدونلز هو المطعم الوحيد الأمريكي الموجود في بلداننا ؟ و بالتالي سنقاطعها جميعا دون استثناء و هذا ما لم أرى الترويج له مما يؤكد لي فكرة حرب المطاعم التي يستفيد منها إحدى المطاعم على حساب اتهام منافسه بدعم الصهاينة، و أيضا رؤية البعض الامتناع عن لبس الجينز أو ربطة العنق فلا أرى أي ضرر على اقتصاد الأمريكان إذا لم نلبس أو نشتري ربطات العنق أو لباسها ، أما عمن يقاطع المواد الصناعية فليعلم أن بلداننا هي من تحتاج لتلك المواد فلا أنت و لا هو و لا هي حتى أنا قادرين على تمضية يوم بكامله دون كهرباء و ماء فضلا عن استعمالاتنا اليومية للسيارات و الطائرات …الخ التي تستهلك تلك المواد و ربما تقولون أن عالمنا العربي وافر بتلك المواد و لكن السؤال هل وصلنا لمرحلة الاكتفاء الذاتي الذي لطالما حلمنا به او بالاصح هل نحن قادرون على استخراجها و استخدامها ؟؟
هل فقط الولايات المتحدة الأمريكية هي الوحيدة التي تتعاطف مع بني صهيون ؟ طبعا الإجابة ستكون لا فهناك العديد من الدول رغم زعمها في الوقوف في جانبنا تظل في النهاية داعمة و راضية لممارسات الصهاينة و بالتالي على من يفكر بالمقاطعة أن يدرج في قائمته منتجات تلك الدول حتى يكون منصفا و مقاطعته تكون أكثر تأثيرا ، و شيء آخر لعله فات الجميع فهناك منتجات لدول عربية فتحت للصهاينة مكاتب تجارية إن لم تفتح سفارات للعدو فهل ستقاطعونها ؟


هل الآن اكتشفنا فقط دعم و تأييد أمريكا لصهاينة؟ و هنا تردد كل من أراد إجابتي ليبحث عن سبب تأييده للمقاطعه حاليا و عدم تفكيره أو حتى تأييده لتك الفكرة رغم وجودها ، كل هذا يزيد من فكرة أن تلك المقاطعة ليس سوى ردة فعل (وقتية) ستزول إذا ما تحسنت الأوضاع و عادت أمريكا لرشدها .


ماذا إذا كان أحدا منكم غير مقتنع بالفكرة .. ماذا ستقولون عنه؟ بصراحة البعض اعتبرها وقاحة من أي إنسان عربي أو مسلم مؤمن بالقضية إن لم يطلق عليه لقب (خائن) و كأن هو أي ذاك الممتنع و مقاطعته هي التي ستحرر الأرض من براثن الاحتلال، و يأتي البعض محاولا إقناعه ليدخلوا معه في مجادلات و نقاشات ربما ينضم معهم أو يظل ممتنعا أن لم يزد إصرارا على موقفه كون الذين ناقشوه لم يتحملوا موقفه فتتحول المناقشة لساحة عراك و سباب كل طرف يتهم الآخر بالإمبريالية . أما من تبقى فيفضل السكوت و هذا ما يفضله الكثيرون و في كثير من الأحيان ينحازون لإحدى الطرفين إما المقاطعون أو الممتنعون و تكون المحصلة تحول الاتفاق على رأي واحد لصراع الديوك نتيجته وأد فكرة المقاطعة .

ما أريد الوصول إليه هو أن فكرة المقاطعة تنطوي تحتها أمور حجبت على عقول البعض منا سواء بقصد حسن أو لا ، و أيضا بقاء شعوبنا العربية تدور في الحلقة المفرغة مهما فكرت في فعل أي خطوة جريئة ربما تأثر على غرفة اتخاذ القرار السياسي الدولي. فالنهاية أنا مع المقاطعة إن رسمنا أهدافنا بدقة و بعقلانية و التي ستحدد أسماء المنتجات التي سنقاطعها و كيفية تعويض مقاطعتنا لمنتجات تلك الدول بوسائل أخرى تجعلنا لا نفقد أصواتا لها وزنها الدولي . فهل أنتم معي ؟


 

بقلم:- بدر بن غيث ( اي سؤال دوت كوم )

 

 

 

 

 

أقسام فرعية

أرسل مقالة