|
وقد ذكر الحافظ ابن كثير رحمه الله في
تفسيره المشهور عند كلامه على قوله عزّ وجلّ:
} إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في
ستة أيام ثم استوى على العرش { [ الأعراف : 54
] كلاماً حسناً في هذا الباب يحسن نقله هاهنا
لعظم فائدته.
قال رحمه الله ما نصه : " للناس في هذا المقام
مقالات كثيرة جداً ليس هذا موضع بسطها وإنما
نسلك في هذا المقام مذهب السلف الصالح : مالك
والأوزاعي والثوري والليث بن سعد والشافعي
وأحمد واسحاق بن راهوية وغيرهم من أئمة
المسلمين قديماً وحديثاً . وهو إمرارها كما
جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل ،
والظاهر المتبادر إلى أذهان المشبهين منفي عن
الله ، فإن الله لا يشبهه شيء من خلقه ، وليس
كمثله شيء وهو السميع البصير ، بل الأمر كما
قال الأئمة منهم : نعيم بن حماد الخزاعي شيخ
البخاري قال : من شبه الله بخلقه كفر ، ومن
جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر ، وليس فيما
وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه . فمن أثبت
لله تعالى ما وردت به الآيات الصريحة والأخبار
الصحيحة على الوجه الذي يليق بجلال الله ونفي
عن الله النقائص - فقد سلك سبيل الهدى " .
* ثانياً : الإيمان بالملائكة :
يتضمن الإيمان بهم إجمالاً وتفصيلاً فيؤمن
المسلم بأن لله ملائكة خلقهم لطاعته ووصفهم
بأنهم عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم
بأمره يعملون } يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم
ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون
{ [ الأنبياء : 28 ].
وهم أصناف كثيرة، منهم الموكلون بحمل العرش،
ومنهم خزنة الجنة والنار، ومنهم الموكلون بحفظ
أعمال العباد.
ونؤمن على سبيل التفصيل بمن سمى الله ورسوله
منهم : كجبريل وميكائيل ، ومالك خازن النار،
وإسرافيل الموكل بالنفخ في الصـــــور، وقد
جاء ذكره في أحاديث صحيحة ، وقد ثبت في الصحيح
عن عائشة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله
عليه وسلم - قال : " خُلقت الملائكة من نور،
وخُلق الجان من مارج من نار، وخُلق آدم مما
وصف لكم" أخرجه مسلم في صحيحه .
* ثالثاً : الإيمان بالكتب :
يجب الإيمان إجمالاً بأن الله سبحانه قد أنزل
كتباً على أنبيائه ورسله لبيان حقه والدعوة
إليه ، كما قال تعالى : } لقد أرسلنا رسلنا
بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم
الناس بالقسط { الآية [ الحديد :25] .
وقال تعالى : } كان الناس أمة واحدة فبعث الله
النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب
بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه {
الآية [ البقرة : 213 ] .
ونؤمن على سبيل التفصيل بما سمى الله منها
كالتوراة والإنجيل والزبور والقرآن .
والقرآن الكريم هو أفضلها وخاتمها ، وهو
المهيمن عليها والمصدق لها وهو الذي يجب على
جميع الأمة اتباعه وتحكيمه مع ما صحت به السنة
عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأن الله
سبحانه بعث رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم -
رسولاً إلى جميع الثقلين ، وأنزل عليه هذا
القرآن ليحكم به بينهم وجعله شفاءً لما في
الصدور وتبيانا لكل شيء وهدى ورحمة للمؤمنين
كما قال تعالى: } وهذا كتاب أنزلناه مبارك
فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون { [ الأنعام :
155 ] .
وقال سبحانه : }ونزّلنا عليك الكتاب تبياناً
لكل شيء وهدىً ورحمةً وبشرى للمسلمين{ [ النحل
: 89 ].
وقال تعالى : } قل يا أيها الناس إني رسول
الله إليكم جميعاً الذي له ملك السموات والأرض
لا إله إلا هو يحي ويميت فآمنوا بالله ورسوله
النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه
لعلكم تهتدون { [ الأعراف : 158 ] والآيات في
هذا المعنى كثيرة .
يجب الإيمان بالرسل إجمالاً وتفصيلاً فنؤمن أن
الله سبحانه أَرسل إلى عباده رسلاً منهم
مبشرين ومنذرين ودعاة إلى الحق ، فمن أجابهم
فاز بالسعادة ، ومن خالفهم باء بالخيبة
والندامة ، وخاتمهم وأفضلهم هو نبينا محمــد
بن عبدالله - صلى الله عليه وسلم - ، كما قال
الله سبحانه : } ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً
أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت{ [ النحل :
36 ] .
وقال تعالى : } رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا
يكون للناس على الله حجةٌ بعد الرسل { [النساء
: 165] .
وقال تعالى : } ما كان محمدٌ أبا أحدٍ من
رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين { [الأحزاب
40 ] .
ومن سمى الله منهم أو ثبت عن رسول الله تسميته
آمناً به على سبيل التفصيل والتعيين كنوح وهود
وصالح وإبراهيم وغيرهم ، عليهم وعلى نبينا
أفضل الصلاة وأزكى التسليم.
خامساً : الإيمان باليوم الآخر :
وأما الإيمان باليوم الآخر فيدخل فيه الإيمان
بكل ما أخبر الله به ورسوله - صلى الله عليه
وسلم - مما يكون بعد الموت كفتنة القبر وعذابه
ونعيمه ، وما يكون يوم القيامة من الأهوال
والشدائد والصراط والميزان والحساب والجزاء
ونشر الصحف بين الناس فآخذ كتابه بيمينه وآخذ
كتابه بشماله أو من وراء ظهره ، ويدخل في ذلك
أيضاً الإيمان بالحوض المورود لنبينا محمد -
صلى الله عليه وسلم - ، والإيمان بالجنة
والنار ، ورؤية المؤمنين لربهم سبحانه وتكليمه
إياهم ، وغير ذلك مما جاء في القرآن الكريم
والسنة الصحيحة عن رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - فيجب الإيمان بذلك كله وتصديقه على
الوجه الذي بينه الله ورسوله - صلى الله عليه
وسلم .
سادساً: الإيمان بالقدر :
وأما الإيمان بالقدر فيتضمن الإيمان بأمور
أربعة :-
الأمر الأول : أن الله سبحانه قد علم ما كان
وما يكون ، وعلم أحوال عباده ، وعلم أرزاقهم
وآجالهم وأعمالهم وغير ذلك من شئونهم ، لا
يخفى عليه من ذلك شيء سبحانه وتعالى ، كما قال
سبحانه : } إن الله بكل شيء عليم { [ الأنفال
: 75 ] .
وقال عزّ وجلّ : } لتعلموا أن الله على كُل
شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء { [الطلاق
:12 ] .
|