العقيــدة الصحيحــة وما يضادها ( 3 )


وقد ذكر الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسيره المشهور عند كلامه على قوله عزّ وجلّ: } إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش { [ الأعراف : 54 ] كلاماً حسناً في هذا الباب يحسن نقله هاهنا لعظم فائدته.
قال رحمه الله ما نصه : " للناس في هذا المقام مقالات كثيرة جداً ليس هذا موضع بسطها وإنما نسلك في هذا المقام مذهب السلف الصالح : مالك والأوزاعي والثوري والليث بن سعد والشافعي وأحمد واسحاق بن راهوية وغيرهم من أئمة المسلمين قديماً وحديثاً . وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل ، والظاهر المتبادر إلى أذهان المشبهين منفي عن الله ، فإن الله لا يشبهه شيء من خلقه ، وليس كمثله شيء وهو السميع البصير ، بل الأمر كما قال الأئمة منهم : نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري قال : من شبه الله بخلقه كفر ، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر ، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه . فمن أثبت لله تعالى ما وردت به الآيات الصريحة والأخبار الصحيحة على الوجه الذي يليق بجلال الله ونفي عن الله النقائص - فقد سلك سبيل الهدى " .
* ثانياً : الإيمان بالملائكة :
يتضمن الإيمان بهم إجمالاً وتفصيلاً فيؤمن المسلم بأن لله ملائكة خلقهم لطاعته ووصفهم بأنهم عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون } يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون { [ الأنبياء : 28 ].
وهم أصناف كثيرة، منهم الموكلون بحمل العرش، ومنهم خزنة الجنة والنار، ومنهم الموكلون بحفظ أعمال العباد.
ونؤمن على سبيل التفصيل بمن سمى الله ورسوله منهم : كجبريل وميكائيل ، ومالك خازن النار، وإسرافيل الموكل بالنفخ في الصـــــور، وقد جاء ذكره في أحاديث صحيحة ، وقد ثبت في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " خُلقت الملائكة من نور، وخُلق الجان من مارج من نار، وخُلق آدم مما وصف لكم" أخرجه مسلم في صحيحه .
* ثالثاً : الإيمان بالكتب :
يجب الإيمان إجمالاً بأن الله سبحانه قد أنزل كتباً على أنبيائه ورسله لبيان حقه والدعوة إليه ، كما قال تعالى : } لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط { الآية [ الحديد :25] .
وقال تعالى : } كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه { الآية [ البقرة : 213 ] .
ونؤمن على سبيل التفصيل بما سمى الله منها كالتوراة والإنجيل والزبور والقرآن .
والقرآن الكريم هو أفضلها وخاتمها ، وهو المهيمن عليها والمصدق لها وهو الذي يجب على جميع الأمة اتباعه وتحكيمه مع ما صحت به السنة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأن الله سبحانه بعث رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - رسولاً إلى جميع الثقلين ، وأنزل عليه هذا القرآن ليحكم به بينهم وجعله شفاءً لما في الصدور وتبيانا لكل شيء وهدى ورحمة للمؤمنين كما قال تعالى: } وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون { [ الأنعام : 155 ] .
وقال سبحانه : }ونزّلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء وهدىً ورحمةً وبشرى للمسلمين{ [ النحل : 89 ].
وقال تعالى : } قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً الذي له ملك السموات والأرض لا إله إلا هو يحي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون { [ الأعراف : 158 ] والآيات في هذا المعنى كثيرة .
يجب الإيمان بالرسل إجمالاً وتفصيلاً فنؤمن أن الله سبحانه أَرسل إلى عباده رسلاً منهم مبشرين ومنذرين ودعاة إلى الحق ، فمن أجابهم فاز بالسعادة ، ومن خالفهم باء بالخيبة والندامة ، وخاتمهم وأفضلهم هو نبينا محمــد بن عبدالله - صلى الله عليه وسلم - ، كما قال الله سبحانه : } ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت{ [ النحل : 36 ] .
وقال تعالى : } رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجةٌ بعد الرسل { [النساء : 165] .
وقال تعالى : } ما كان محمدٌ أبا أحدٍ من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين { [الأحزاب 40 ] .
ومن سمى الله منهم أو ثبت عن رسول الله تسميته آمناً به على سبيل التفصيل والتعيين كنوح وهود وصالح وإبراهيم وغيرهم ، عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة وأزكى التسليم.
خامساً : الإيمان باليوم الآخر :
وأما الإيمان باليوم الآخر فيدخل فيه الإيمان بكل ما أخبر الله به ورسوله - صلى الله عليه وسلم - مما يكون بعد الموت كفتنة القبر وعذابه ونعيمه ، وما يكون يوم القيامة من الأهوال والشدائد والصراط والميزان والحساب والجزاء ونشر الصحف بين الناس فآخذ كتابه بيمينه وآخذ كتابه بشماله أو من وراء ظهره ، ويدخل في ذلك أيضاً الإيمان بالحوض المورود لنبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - ، والإيمان بالجنة والنار ، ورؤية المؤمنين لربهم سبحانه وتكليمه إياهم ، وغير ذلك مما جاء في القرآن الكريم والسنة الصحيحة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيجب الإيمان بذلك كله وتصديقه على الوجه الذي بينه الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم .
سادساً: الإيمان بالقدر :
وأما الإيمان بالقدر فيتضمن الإيمان بأمور أربعة :-
الأمر الأول : أن الله سبحانه قد علم ما كان وما يكون ، وعلم أحوال عباده ، وعلم أرزاقهم وآجالهم وأعمالهم وغير ذلك من شئونهم ، لا يخفى عليه من ذلك شيء سبحانه وتعالى ، كما قال سبحانه : } إن الله بكل شيء عليم { [ الأنفال : 75 ] .
وقال عزّ وجلّ : } لتعلموا أن الله على كُل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء { [الطلاق :12 ] .